دفع القدر بالقدر: "فقه الحركة في ميزان التوكل"
Basa-ir بصائر
0:00 / 0:00
دفع القدر بالقدر: "فقه الحركة في ميزان التوكل"
45 просмотров · 1 месяц назад
Basa-ir بصائر
38 подписчиков
45 просмотров · 1 месяц назад
دفعُ القدرِ بالقدر: "فقهُ الحركةِ في ميزانِ التوكُّل"
يُساء فهم الإيمان بالقدر حين يتحول من عقيدةٍ تُحرّر الإنسان إلى ذريعةٍ للكسل والاستسلام. والحقيقة أن الإيمان بالقدر في الإسلام لا يعلّم الجمود، بل يعلّم الحركة في إطار القدر؛ فالإنسان لا يخرج من قدر الله حين يسعى، وإنما يتحرك داخل قدره، ويدفع قدرًا بقدر.
وقد سبق أن عبّر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن هذا الفقه بكلمته المشهورة حين رجع عن دخول أرض الطاعون: «نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله»؛ فوجود الوباء قدر، والابتعاد عنه قدر، والأخذ بأسباب الوقاية ليس فرارًا من القدر، بل فقهًا له. وجاء في الحديث أن الصحابة سألوا النبي ﷺ عن الأدوية والرقى ووسائل الوقاية: «هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟» فقال ﷺ: «هي من قدر الله» (رواه الترمذي).
ثم جاء الإمام عبد القادر الجيلاني رحمه الله، فصاغ هذا المعنى في عبارة جامعة: «ادفعوا أقدار الله بأقدار الله»؛ فالمرض قدر، والتداوي قدر؛ والجوع قدر، والسعي إلى الطعام قدر؛ والذنب قدرٌ من جهة وقوعه، والتوبة قدرٌ من جهة دفعه وإزالته؛ والعدوان قدر، والاستعداد لدفعه قدر.
وهنا تتضح حقيقة التوكل: الأخذ بالأسباب لا يناقض التوكل، بل هو من تمامه؛ لأن القدرة والعقل والإرادة والعمل كلها داخلة في قدر الله. قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 39–40].
ولهذا لا يكون دفع القدر بالقدر مقصورًا على دفع ما وقع، بل يشمل أيضًا الوقاية مما لم يقع: فتدفع المرض قبل وقوعه بالوقاية، والعدوان بالاستعداد، والفقر بالسعي، والمعصية بالمجاهدة. وإذا وقع البلاء، واجهته بما شرع الله من أسباب: يُدفع المرض بالدواء، والذنب بالتوبة، والضرر بالإصلاح، والعدوان بالدفاع.
والدعاء نفسه داخل في هذا الفقه؛ فهو سبب شرعي لدفع البلاء أو تخفيفه أو صرف شرٍّ أعظم، كما في الحديث المشهور: «لا يردُّ القدرَ إلا الدعاء» (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه عدد من أهل العلم).
وقد قرر ابن القيم رحمه الله هذا المعنى بوضوح في الداء والدواء وشفاء العليل، مبينًا أن دفع القدر بالقدر هو من مقتضى الشرع والعقل؛ فالقدر لا يُدفع بالجمود، وإنما يُدفع بالأسباب التي قدّرها الله لدفعه.
ومن هنا تصبح التوبة نفسها حركةً في مواجهة القدر: وقع الذنب، فلا يستسلم العبد لوقوعه، بل يدفعه بالتوبة والاستغفار والإصلاح. ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222].
إن التوكل ليس أن تترك السبب لأن النتيجة بيد الله، وإنما أن تأخذ بالسبب وأنت تعلم أن النتيجة بيد الله. تعمل بما تستطيع، وتبذل ما تملك، ثم تُسلّم ما لا تملك لمن يملك كل شيء.
فالإنسان لا يواجه القدر بالخروج منه، ولا بالاستسلام له؛ وإنما يواجه قدرًا بقدر: المرض بالدواء، والخوف بالتحصين، والفقر بالسعي، والذنب بالتوبة، والعدوان بالدفاع، والمحنة بالصبر والعمل.
وهذا هو فقه الحركة في ميزان التوكل: أن تتحرك في القدر، لا أن تتوقف بحجة القدر.
سلسلة: الإيمان بالغيب وبناء اليقين.
الهدف: بناء القلب المطمئن بالله.
ايمان، غيب، بناء يقين، دفع قدر بقدر، ميزان توكل.@