قال مالك (كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه العلم)، الآن يقولون (هذه الكلمة مبالغ فيها)
عبد الرحيم بن معاذ خوجة
0:00 / 0:00
قال مالك (كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه العلم)، الآن يقولون (هذه الكلمة مبالغ فيها)
63 просмотра · 1 год назад
عبد الرحيم بن معاذ خوجة
919 подписчиков
63 просмотра · 1 год назад
بعض الناس صار يحسب عقيدة أهل السنة والجماعة أنه يطبق كما يشاء؛ يجي يقول: (تفسير صفة اليد...، تفسير صفة العين...، تفسير صفة الوجه...)، ويبدأ ينقل كلام يجده في كلام بعض اللغويين أو بعض علماء الاعتقاد على غير طريقة أهل السنة والجماعة، وهذا غلط؛ فهذه الصفات لا تحتاج إلى تفسير؛ فالعربي يعرف معناها بما يعقل من كلام العرب، وتوسيع القول فيها ربما أدى إلى تفسيرها بالشاهد -وهو صفة المخلوق-؛ فيكتفى بما تعرفه العرب من كلامها -كما درج من قبلنا-، ولذلك أنتم تعرفون تفسير الأسماء الحسنى للزجاج، وكتاب ابن العربي، وكتاب فلان، وكتاب فلان في الأسماء الإلهية، لكن هل تعرفون كتاب فُسر أُلّف في تفسير الصفات الإلهية؟! الجواب: (لا)، والذي يؤلف هذا يحط كتابه؛ لأن أهل السنة عدلوا عن هذا؛ ليس من طريقتهم؛ لأجل المقصد المذكور.
ولذلك العلم أحيانا يكون بالنص، وأحيانا يكون بفهم طريقته، وهذا هو العقبة الكؤوف، كثير من الناس الآن يتكلمون في العلم دون أن يفهموا مآخذ أهل العلم فيه ومواردهم؛ أهل العلم لهم مآخذ وموارد بها حفظ العلم؛ فإذا تركت إلى غيرها وقع الناس فيما لم تحمد عاقبته؛ حتى أن أهل العلم كما ذكر بن يعيش في شرح المفصل قد يتركون شرح ما يعرفه أهل فن؛ لئلا يتجاسر عليه غيرهم، هذه من طريقة أهل العلم؛ يأتي بعض الناس يقول: (بعض الشروح غير وافية)، أنت افهم لماذا هي غير وافية؛ لهم مقصد؛ أحيانا يصنف المصنف فيكون في زمانه بعض من يتعدى على العلم؛ فيحفظه بأن يجعل هذا العلم خاصا بأهله، ما يجعله حمى مستباحا لكل أحد.
فدائما العلم أخذا، تحملا، وبثا، ونشرا، وتصريفا، وتصنيفا، وهداية وإرشادا = لابد أن تسير فيه بطريقة أهله، لا تسير بطريقة مجرد أن تراها؛ واحد أحب علم الحديث راح يألف كتاب علل الصحيحين، وإذا جيت تقول (ليش تؤلف؟)، قال: (فلان، وفلان انتقدوا أحاديث على الصحيحين)، الجواب: (هؤلاء انتقدوا في مأخذ معين ومورد مخصوص، ولم يجمعوها في صعيد واحد يكون سبيلا للطاعنين في الصحيحين)، أحدهم صنف كتاب (تحاسد العلماء)، ولم يزل أهل العلم يعلمون أنه يكون بين أهل العلم حسد، لكن لا منفعة في التصنيف بهذا، وهو ضار في عقل مرتبة أهل العلم عند من يقف على هذا الكتاب؛ كمبتدئ الطلبة، ومتوسطيهم، ودهماء المسلمين، وعوامهم.
فالعلم ليس مجرد يا إخوان عندك معلومات، لا، هذا الذي بلينا به؛ كل واحد يظن عنده معلومات؛ حفظ، وعرِف، وعرَف، وقرأ؛ لا، العلم هو طريقة لا بد أن تعرفها، طريقة؛ كيف تتكلم؟ ماذا تتكلم؟ متى تتكلم؟ إلى من تتكلم؟ كيف تهدي؟ كيف تصلح؟ كيف ترشد؟ لا ترجع إلى هواك، وإنما ترجع إلى مراد الشرع، وهذا أمر عظيم، ليس سهلا، ما هو بسهل، بعض الناس يظن إن تمثل هذه الأمور مجرد إنك تاخذ معلومات وتمشي، لا؛ تمثلها -كما قال مالك-: (كان الرجل يختلف إلى الرجل ثلاثين سنة يتعلم منه العلم)، الآن يشرحونها؛ يقولون: (هذه الكلمة مبالغ فيها؛ لأن العلم يحتاج خمس سنوات، ست سنوات وتصير من أهل العلم)، وهذا من الجهل، لا؛ العلم ليس مجرد المسائل، العلم كيف تتكلم به مع الرعية؟ كيف تتكلم به مع الراعي؟ كيف تتكلم به في زمان الفتن؟ كيف تتكلم مع الودّ المؤالف؟ كيف تتكلم مع العدو المخالف؟ كيف تتكلم مع المسلم الضال؟ كيف تتكلم مع الكافر؟ كيف تتكلم مع الرجل؟ كيف تتكلم مع المرأة؟ كيف تخطب؟ على ما ذكرنا.
يجون بعض الإخوان الآن يشرح الأسماء والصفات عند العوام يقول: (النفي والإثبات...)، والعامي هذا لا يحدث فيه إيمانا، يحدث فيه إيمانا أن تقول: (الحمد: إثبات الكمالات لله؛ قال تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وقال تعالى: ﴿وله الحمد في السماوات والأرض﴾، اذكر له آية في الحمد؛ فتحدث في نفسه إيمانا، ثم تأتي وتذكر النفي على وجه التسبيح والتقديس، وتذكر الآيات التي في تسبيح الله وتقديسه؛ فيرجع عوام المسلمين بزيادة إيمان، بخلاف ما لو حدثتهم بالموارد العلمية (النفي والإثبات)؛ فهذا في مقام، وهذا في مقام.
ولذلك أهل العلم هم على هذه الطريقة؛ يعرفون ماذا يتكلمون؟ ومتى يتكلمون؟ ولذلك يحفظون أنفسهم ويحفظون دين الناس.
دخل جماعة على الشيخ صالح بن فوزان لموعد معه، فلما استووا جلوسا، قال له أحدهم: (ما رأيك في الشيخ مقبل بن هادي الوادعي؟)؛ فقال -بلسان فصيح-: (لا أعرفه)، وبعدها بأسابيع سئل الشيخ في مجلس درسه: (ما رأيكم في مصنفات الشيخ مقبل بن هادي الوادي؟ وهل يستفاد منها؟)؛ فقال: (نعم، مصنفاته نافعة، وينتفع منها الناس، وأنصح بقرائتها، والاستفادة منها)، فهو قال للأول: (لا أعرفه)، يعني لا أعرفه على الوجه الذي تريده أنت، فالجواب بمثل هذا نافع له؛ كل مقام له مقال.
لذلك شيخنا ابن عثيمين رحمه الله في يوم الخميس الذي توفي فيه الشيخ ابن باز رحمه الله سأله سائل؛ قال: (أحسن الله إليك، أنا أريد أن أخطب عن الشيخ ابن باز غدا)؛ قال: (لا يجوز؛ لأنه من نعي الجاهلية)؛ فقال هذا الأخ: (أحسن الله إليكم، الآن أعرف أنا مجموعة سيخطبون عن هذا؛ فليتكم تصدرون بيانا في ذلك)؛ فقال الشيخ: (عسى يكون خير)، ولم يصدر الشيخ بيانا في ذلك، لماذا؟ لأنه خاف أن يُعقل عنه على غير ما يريد؛ فيظن أن هذا جرى منه مجرى الحسد؛ ألّا تذكر فضائله ومناقبه، وهذا يقع في قلوب الناس عند هول المصيبة.
فالعلم ليس معلومات يا إخوان؛ كم من إنسان يكون عنده علم قليل وله بركة عظيمة، وكم من إنسان يكون عنده علم كثير فيكون شرا على المسلمين، ولذلك يجب أن يجتهد الإنسان بأن يتعلم العلم كما ينبغي، وأنه قربة يتقرب بها إلى الله؛ فهو يتكلم بعلم، ويسكت بعلم؛ فينتفع في حفظ دينه، وفي حفظ دين الناس.
كالذي ذكرناه فيما يتعلق بطريقة السلف في باب الأسماء والصفات، ومن كان هذا هو أمله في العلم فتح الله له أبواب البركات، ووجد خير العلم في الدنيا، وسيجده قطعا في الآخرة؛ فإن الله سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين، ومن قصد بالعلم وجه الله تعلما وتعليما جعله الله عز وجل في المقامات العالية، ومن ورثة نبيه.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح.