قضية خلافة الإنسان في الأرض،" دراسة تفسيرية تحليلية"
Basa-ir بصائر
0:00 / 0:00
قضية خلافة الإنسان في الأرض،" دراسة تفسيرية تحليلية"
47 просмотров · 2 месяца назад
Basa-ir بصائر
38 подписчиков
47 просмотров · 2 месяца назад
قضية خلافة الإنسان في الأرض: "دراسة تفسيرية تحليلية"
تُعدُّ قضية استخلاف الإنسان في الأرض من القضايا القرآنية الكبرى التي افتتح بها القرآن الحديث عن نشأة الإنسان ورسالته، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]. وقد أثارت هذه الآية اهتمام المفسرين، فتعددت أقوالهم في بيان المراد بالخليفة، واختلفت أنظارهم في تحديد طبيعة هذه الخلافة: هل هي خلافة عن أمم سبقت الإنسان، أم هي تعاقب أجيال البشر بعضهم بعد بعض، أم هي استخلاف للإنسان للقيام بأمر الله في الأرض؟ ويهدف هذا المقال إلى عرض هذه الأقوال، ومناقشتها، وترجيح ما تؤيده النصوص وقواعد التفسير والعقيدة.
والخلافة في اللغة مأخوذة من مادة (خ ل ف)، وهي تدل على المجيء بعد السابق والقيام مقامه. قال ابن فارس: «الخاء واللام والفاء أصل صحيح واحد، يدل على تأخر شيء عن شيء ومجيءٍ بعده» (مقاييس اللغة، مادة: خلف). أما في الاستعمال القرآني، فإنها تدور حول معاني التعاقب والتمكين وتحمل المسؤولية، ولا تدل بمجردها على النيابة المطلقة.
وقد ذهب فريق من المفسرين إلى أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أن آدم وذريته خلفوا مخلوقات كانت تعيش في الأرض قبلهم، كالجن. واستند أصحاب هذا القول إلى سؤال الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: 30]، مما يدل على علم سابق بطبيعة الإفساد في الأرض. كما استأنسوا بما رواه الإمام الطبري بإسناد صحيح إلى مجاهد أن الجن كانوا يسكنون الأرض فأفسدوا فيها، فبعث الله إليهم الملائكة فأخرجوهم إلى جزائر البحور ورؤوس الجبال. غير أن هذا المعنى - وإن كان لا يعارض ظاهر الآية - ليس هو المقصود الأصلي منها؛ لأن سياق الآيات لا يقصد بيان تاريخ من سبق آدم، وإنما يبين وظيفة الإنسان ورسالته في الأرض.
وذهب جمهور المفسرين، ومنهم الإمام الطبري والبغوي وابن كثير، إلى أن الخلافة تعني أن البشر يخلف بعضهم بعضًا جيلاً بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، في عمارة الأرض وإقامة أمر الله فيها. ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: 165]، وقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: 14]. وقال الإمام الطبري في تفسيره: «الخليفة هو الذي يخلف غيره، والمراد أن آدم وذريته يخلف بعضهم بعضًا قرنًا بعد قرن» (جامع البيان). ويُعد هذا القول أقوى من جهة الاستعمال القرآني؛ لأنه تؤيده نصوص متعددة، وينسجم مع سنة التداول والتعاقب التي تحكم حياة الأمم.
أما القول بأن الإنسان خليفة عن الله في الأرض، فهو من أكثر الأقوال شيوعًا في الكتابات المتأخرة، إلا أنه يحتاج إلى تحرير وضبط. فالمقصود الصحيح عند أهل السنة ليس أن الإنسان نائب عن الله بمعنى التفويض المطلق أو الحلول، وإنما أنه مستخلف بأمر الله، مأمور بتنفيذ شرعه وإقامة العدل بين عباده. وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]. وقال الإمام القرطبي: «لا يقال لله خليفة؛ لأن الله لا يغيب حتى يُستخلف عنه غيره، وإنما يقال: خليفة رسول الله، أو خليفة فلان» (الجامع لأحكام القرآن). ولذلك قرر علماء أهل السنة، ومنهم الإمام الطحاوي وشراح عقيدته كابن أبي العز، أنه لا يصح إطلاق وصف "خليفة الله" على الإنسان بإطلاق، وإنما يقال: هو خليفة في الأرض، أو مستخلف من الله، أي قائم بما أمره الله به.
ومن خلال مجموع النصوص يتبين أن الخلافة ليست مجرد تشريف، بل هي تكليف ومسؤولية. فهي تعني عمارة الأرض بالحق، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، وتعني إقامة العدل والحكم بالحق، كما قال سبحانه لداود عليه السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: 26]. وهي كذلك ميدان للابتلاء والاختبار، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، كما ترتبط بحمل الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال حملها، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ...﴾ [الأحزاب: 72].
وبالنظر في الأقوال السابقة، يظهر أنه لا تعارض بينها إذا حُملت على جهات مختلفة؛ فالإنسان قد يكون خلف مخلوقات سبقته من حيث الوجود التاريخي، ويخلف بعضه بعضًا من حيث تعاقب الأجيال، وهو في الوقت نفسه مستخلف من الله من حيث الوظيفة والرسالة. وعليه، فإن أرجح الأقوال وأدقها تفسيرًا وعقديًا أن المراد بالخلافة هو استخلاف الإنسان في عمارة الأرض وفق منهج الله، مع تعاقب الأجيال، دون أن يقتضي ذلك النيابة الذاتية عن الله تعالى.
وخلاصة الأمر أن مفهوم الخلافة في القرآن يرسم حقيقة الإنسان كما أرادها الوحي: عبدٌ لله قبل كل شيء، ومستخلف في الأرض لأداء رسالة، لا مالكٌ لها على وجه الاستقلال. فكلما التزم بمنهج الله، تحقق فيه معنى الخلافة الحقّة، وكلما أعرض عن هديه، تحولت الخلافة إلى فساد واستكبار، وهو ما نبه إليه القرآن الكريم منذ أول مشهد من مشاهد قصة الإنسان.@
سلسلة: منهج الوحي في بناء الإنسان والأمة والحضارة.
قضية، خلافة، بناء انسان، ...