كل شيء مُستطاع - الأحد ١٢ بعد العنصرة
Fr-Symeon Abouhaidar
0:00 / 0:00
كل شيء مُستطاع - الأحد ١٢ بعد العنصرة
139 просмотров · 10 дн. назад
Fr-Symeon Abouhaidar
740 подписчиков
139 просмотров · 10 дн. назад
عظة الأب سمعان أبو حيدر في الأحد ١٢ من متى
الأحد ٢٣ آب ٢٠٢٦ - كنيسة الظهور الإلهي - النقاش
كل شيء مستطاع
باسم الآب والابن والروح القدس. آمين.
يا إخوة، يفتتح إنجيل اليوم بمشهد يحرّك القلب: شابٌّ يجثو أمام يسوع، وعلى شفتيه سؤال اللهفة الصادقة: «أيّها المعلّم الصالح ماذا أَعمل من الصلاح لتكون لي الحياة الأبديّة؟» - سؤالٌ يليق أن يخرج من فم كلّ واحد منّا، لأنّه سؤال الحياة الجديدة. يدعوه يسوع أوّلًا إلى حفظ الوصايا، فيجيب الشابّ بثقة: «كلّ هذا قد حفظتُه منذ صبائي، فماذا ينقصني بعد؟» عندها يكشف يسوع، لا بقسوة بل بمحبّة عميقة، أنّ حفظ الشريعة وحدها لا يملأ القلب، فيدعوه إلى خطوة أبعد: «إن كنتَ تريد أن تكون كاملًا فاذهب وبع كـلّ شيء وأَعطه للمساكين فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني». هنا ينقطع الحوار فجأةً، بحزنٍ صامت: «فلمّا سمع الشابّ هذا الكلام مضى حزينًا لأنّه كان ذا مالٍ كثير».
لم يكن الشابّ شرّيرًا، بل كان صالحًا بمقاييس النّاس، لكنّه اكتشف المسافة الشاسعة بين حفظ الوصايا وبين تسليم القلب بالكامل. ويعلّمنا القدّيس يوحنّا الذهبيّ الفم أنّ يسوع لا يدين الغِنى بحدّ ذاته، بل يدين استعباد القلب له؛ فالمشكلة ليست في المال، بل في القلب الذي يصير المال سيّده. وهذه هي بالذات لحظة كلّ واحد منّا، حين يصطدم إيمانه بشيء يرفض أن يتخلّى عنه، مهما بدا صالحًا في ظاهره، أكان مالًا أو مكانةً أو صورةً عن الذات نرفض التنازل عنها.
عندها أطلق يسوع كلمته المرعبة في ظاهرها: «إنّه يعسر على الغنيّ دخول ملكوت السماوات؛ وأيضًا أقول لكم إنّ مرور الجمل من ثقب الإبرة لأسهل من دخول غنيّ ملكوت السماوات». بُهت التلاميذ وسألوا بذهول: «مَن يستطيع إذًا أن يخلُص؟» وهو سؤالٌ يشبه سؤال كلّ مؤمن اليوم أمام ثقل الحياة وضعف الإرادة.
لكنّ الإنجيل لا يترك السؤال معلّقًا في اليأس. نظر يسوع إلى تلاميذه وأعطاهم الجواب الذي هو قلب بشارة اليوم: «أمّا عند الناس فلا يُستطاع هذا، وأمّا عند الله فكلّ شيء مستطاع». هنا ينقلب المشهد تمامًا: الجمل لا يعبر ثقب الإبرة بقوّته الذاتيّة، ولا الغنيّ يدخل الملكوت بجهده البشريّ أو حفظه للوصايا، بل بنعمة الله المقبولة وحدها التي تجعل المستحيل ممكنًا. وهذا بعينه ما يشهد له بولس في رسالة اليوم؛ فهو الذي اضطهد كنيسة الله يومًا، ثمّ صار بنعمة الله أكثر الرسل عملًا وتعبًا في الكرازة بالإنجيل، ويعترف بصدق: «لكنّي بنعمة الله أنا ما أنا… ولكن لا أنا بل نعمة الله التي معي».
فمن مُضطهِد إلى رسول، ومن غنيٍّ حزين إلى وارثٍ للملكوت، الطريق واحد: نعمة الله التي توسّع ثقب الإبرة أمام كلّ قلب يتوق إليها بصدق.
فليكن إنجيل اليوم رجاءً لا إحباطًا. إنّ المؤمن المُثقَل بما يشدّه إلى الأرض - أكان مالًا أم صورةً عن الذات أم عادةً يصعب تركها - مدعوٌّ ألاَّ يقيس خلاصه بكماله الشخصيّ، بل بثقته أنّ الله الذي وسّع البحر أمام موسى ودحرج الحجر عن القبر، قادرٌ أن يوسّع ثقب الإبرة أمام كلّ من يسأل ويُصغي ويَقبَل أن يَترُك ما يُثقله خطوةً فخطوة. فلنكفّ عن قياس أنفسنا بمسطرة الكمال البشريّ الذي يُخيفنا، ولنقِسْ أنفسنا برحمة الله ونعمته التي لا تخيب. وليت ذلك الشابّ الذي مضى حزينًا في مطلع الإنجيل، لو عاد وسأل من جديد، لسمع من فم الربّ الجواب نفسه الذي يليق بكلّ قلب يتوق إلى الحياة الأبديّة: عند الله كلّ شيء مستطاع، حتّى خلاصكَ أنتَ. آمين.