ما معنى قول «القرآن حمّال أوجه» المنسوب لعلي رضي الله عنه؟ وهل يجيز ذلك اعتماد تفسيرات متخصصة ...
قناة الإمام جابر بن زيد
0:00 / 0:00
ما معنى قول «القرآن حمّال أوجه» المنسوب لعلي رضي الله عنه؟ وهل يجيز ذلك اعتماد تفسيرات متخصصة ...
491 просмотр · 16 часов назад
قناة الإمام جابر بن زيد
37,8 тыс. подписчиков
491 просмотр · 16 часов назад
س : ما معنى قول «القرآن حمّال أوجه» المنسوب لعلي رضي الله عنه؟ وهل يجيز ذلك اعتماد تفسيرات متخصصة (اقتصادية، تربوية، اجتماعية، سياسية) إلى جانب التفسير الفقهي والعقدي؟
ج : بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم ألهمنا ما لم نعلم، وفهّمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد؛ فالجواب هو أن هذه المقولة تُنسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه، ولكن لم أجد لها ذكرًا في شيء من المصادر المعتبرة، ولم أجد أحدًا من المفسرين استأنس بها أو ذكرها أو اقتبسها أو استشهد بها، ولم أجد أحدًا ممن اطّلعت عليهم ممن كتب في علوم القرآن ذكر هذه المقولة أو أشار إليها من قريب أو من بعيد.
نعم؛ فبناءً على كون المقولة هي مما وضعه الناس، فالأصل أن يُطالب قائلُها أو مستعملُها بتفسير لها، ثم يُنظر بعد ذلك في تفسيرها ومدى اتفاقه أو اختلافه مع القواعد المرعية والأصول التي يُعول عليها في تفسير كلام الله عز وجل.
ذلك أن العبارة مهمة، وغالب من يستعملها إنما يريد بها إضفاء سيولة في معاني كتاب الله عز وجل، غالب من يستعملها من المعاصرين يستعملونها في سياق نزع هيمنة القرآن الكريم وزعزعة مرجعيته ومركزيته في تشكيل البناء الإسلامي، فيستعملونها لأجل إضفاء معانٍ متعددة حيث لا يحتمل، لا يحتمل السياق والتركيب القرآني وجود معانٍ لا اللغة تُسعف على ذلك، ولا سياق الآية الكريمة، ولا النظائر في كتاب الله عز وجل، ولا مقاصد القرآن الكريم يمكن أن تُعين على تلك الوجوه التي يشيرون إليها.
فهناك محاذير: في صدارتها ما أشرتُ إليه من تسييل المعنى، وعدم وجود معنى واضح محدد محكَم في كتاب الله عز وجل، والمحذور الثاني هو نزع هيمنة القرآن الكريم، نزع مرجعية القرآن الكريم ومصدريته بحيث يكون فضفاضًا، ليس هناك فهم صحيح ولا تفسير واحد يمكن أن يُحتكم إليه، وفي هذا تعطيل لمرجعية القرآن الكريم نفسه، وهذا أمر بالغ الخطورة.
فهناك قواعد تحكم النظر في كتاب الله عز وجل، وتحكم التعامل مع آياته تفسيرًا وتدبرًا واستنباطًا؛ هذه القواعد تقوم أول ما تقوم على كون كتاب الله عز وجل أُنزِل كما قال ربنا جل وعلا: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، وتقوم بعد ذلك على ما يتصل بكون القرآن الكريم مشتملًا على آياتٍ محكماتٍ وآياتٍ متشابهات، وحيث وُجد المتشابه فإنه يُردّ إلى المحكم من الكتاب العزيز نفسه.
ويُستند أيضًا إلى قواعد؛ هذه القواعد هي القواعد الأصولية وقواعد اللغة وأسباب النزول وعلوم القرآن الكريم ومعرفة الناسخ والمنسوخ، ومعرفة ضوابط أصول الفقه والمصطلحات التي يستعملها المفسرون، فكلّ ذلك هو الذي يحكم تفسير كلام الله عز وجل والنظر فيه بالاستنباطات والنتائج.
أما أن يُجعل كلامًا فضفاضًا، وأن يُؤتى بوجوه بعيدة متعذّرة لا يحتملها السياق ولا تقبلها اللغة، وتُطرح سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهذا من العبث الذي لا يصح في كتابٍ لله عز وجل، ولذلك يجب الحذر في التعامل مع مثل هذه المقولات.
إن كان هناك ما يتصل بقواعد اللغة التي تسمح بوجود تأويل، قد يكون تأويلًا قريبًا وتأويلًا بعيدًا وتأويلًا مقبولًا، فهذا نعم مما يحتمل وجوهًا، لكن هذا لا نجده في كتاب الله عز وجل إلا في مواضع؛ ربنا جل وعلا يقول: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، هل «القُروء» بمعنى الحيض أو بمعنى الأطهار؟ وجوه؟ نعم هنا يحتمل وجوهًا.
ورأينا في مواضع كثيرة أنه حتى في حروف المعاني التي ترد في آيات الكتاب العزيز يتّسع المعنى، يتسع معنى الآية الكريمة ويتكامل مع سائر المعاني ولا يناقضها، ومع سائر القراءات المتواترة ولا يناقضها أيضًا، بوجوه متعددة من معاني تلك الحروف، وهذا له أمثلة كثيرة، ولعلنا تعرضنا في مناسبات عديدة لأمثلةٍ منها، فلسنا بحاجة إلى الترجيح؛ لأن تلك الوجوه متكاملة وهي كلها صحيحة يشهد لها السياق بالصحة، والتركيب اللغوي يشهد لها، وقواعد اللغة تشهد لها، ولا تعارض شيئًا من الأصول التفسيرية.
فبهذا المعنى نعم يمكن أن نقول بأن الآية الكريمة تحتمل وجوهًا، وهذه الوجوه مقبولة حسنة صالحة في هذا السياق. أما أن يُوصَف كلام الله عز وجل، أن يُوصَف القرآن الكريم بأنه «حَمّال وجوه» فهذه العبارة مهمة.
يعني لنأخذ سورة الإخلاص على سبيل المثال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ما هي هذه الوجوه التي يحملها القرآن الكريم؟ ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، ما هي الوجوه؟ ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾، ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
لو أردنا مثالًا من الأحكام الشرعية التي يأتي بعض المعاصرين اليوم ويوهِمون الناس أنها تحتمل وجوهًا، فإذا بها تناقض كل القواعد: من قواعد اللغة نحوًا وصرفًا وبلاغةً وبيانًا، وتناقض قواعد التفسير، من مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، جزءٌ من آيةٍ كريمة قليلة الألفاظ، لكن فيها من المؤكدات اللغوية ما لا مزيد عليه، لا يعرفها إلا من يُحسن العربية بقواعدها بنحوها وصرفها وتراكيبها وبلاغتها.
فلا يأتي أحد ويقول: هذه الآية تحتمل وجوهًا، أي وجوه تحتمل؟ الآية واضحة، يعني أكمل ما يمكن أن تؤدّيَه من معنى مستنبطٍ منها وهو لزوم الحجاب في النساء المسلمات، وأن يستُرن به رؤوسهن ثم يُدلينه على نحورهن وصدورهن، أكّد بمؤكدات لفظية لا مزيد عليها: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، فلا تحتمل وجوهًا....