(11) مدرسة الإحياء والبعث أدب ثالثة ثانوي أزهر
أبو أحمد النحوي أ.محمد محروس
0:00 / 0:00
(11) مدرسة الإحياء والبعث أدب ثالثة ثانوي أزهر
1 746 просмотров · 1 г. назад
أبو أحمد النحوي أ.محمد محروس
17,4 тыс. подписчиков
1 746 просмотров · 1 г. назад
اختبر نفسك على هذه الحصة من خلال الرابط التالي: https://forms.gle/A2CM7UHRjXjMHvve8
مدرسةُ الإحياءِ والبعثِ
مرَّ الشِّعرُ منذُ أواخرِ القرنِ التَّاسعَ عشَرَ الميلاديِّ حتَّى منتصَفِ القرنِ العشرين بمرحلتين:
الأُولى: مرحلةُ الإحياءِ؛ الَّتي اصطلَحَ النُّقَّادُ على تسميتِها بـ«المدرسةِ الكِلاسيكيَّةِ» أو «المدرسةِ المُحافِظةِ» أو «مدرسةِ المُحافِظِين».
الثَّانيةُ: مرحلةُ التَّجديدِ؛ وتشمَلُ «مدارسَ التَّجديدِ الرُّومانسيِّ» المتمثِّلةَ في: «مدرسةِ الدِّيوانِ»، و«مدرسةِ المَهجَرِ»، و«مدرسةِ أبوللو».
وكان الشِّعرُ قبلَ «مدرسةِ الإحياءِ» يميلُ إلى الصَّنعةِ والإغراقِ في الحِلْيةِ اللَّفظيَّةِ والمعنويَّةِ، بينَما يَظهَرُ فيه ضوءٌ خافتٌ من التَّجديدِ، حتَّى جاء الفارسُ الشَّاعرُ، ربُّ السَّيفِ والقلمِ، رائدُ مدرسةِ الإحياءِ والبعثِ؛ محمود سامي الباروديُّ (1839م–1904م)؛ وارتفَعَ صوتُ الباروديِّ منفرِدًا بينَ الشُّعراءِ في النِّصفِ الثَّاني من القرنِ التَّاسعَ عشَرَ، فكان صَنِيعُه مع الشِّعرِ صَنِيعَ من أعاد الحياةَ لمَن سُلِبَها، وردَّ النَّبضَ لمن فقَدَه؛ ذلك أنَّه ارتقَى بالشِّعرِ، وصَعِدَ به من قَعْرِ مُنحدَرٍ إلى أعلاه، فكان شعرُه:
• رَصِينًا قويًّا في عباراتِه وألفاظِه. • مَتِينًا في أساليبِه.
• صافيًا في أخيلتِه. • شريفًا في معانيه.
• مُشرِقًا في دِيباجتِه. • جَزْلًا في تراكيبِه.
مظاهِرُ التَّجديدِ في الشِّعرِ لدى الباروديِّ
ألفاظُ الشِّعرِ وأساليبُه:
ارتقَى الباروديُّ بالكلمةِ والعبارةِ من الضَّعفِ والابتذالِ إلى صحَّةِ التَّركيبِ وقوَّتِه، وصفاءِ السَّليقةِ ونقائِها، والعنايةِ بالأسلوبِ وجمالِه، ومن تكلُّفِ البديعِ وأثقالِه إلى الرَّصانةِ والتَّحرُّرِ، ومن التَّعقيدِ والغموضِ إلى الوضوحِ والإفصاحِ.
يقولُ الباروديُّ؛ إحساسًا منه بالدَّورِ الَّذي قام به في إحياءِ الشِّعرِ:
أَحْيَيْتُ أَنْفَاسَ الْقَرِيضِ بِمَنْطِقِي *** وَصَرَعْتُ فُرْسَانَ العَجَاجِ بِلَهْذَمِي( )
موضوعاتُ شعرِه:
نأى الباروديُّ بموضوعاتِه عن التَّكرارِ والسَّطحيَّةِ، إلى التَّجدُّدِ والتَّنوُّعِ، والتَّعبيرِ عن الأحاسيسِ الذَّاتيَّةِ، والحياةِ المعاصِرةِ، والقضايا القوميَّةِ.
نظَمَ الباروديُّ الشِّعرَ في أغراضِ الشِّعرِ الموروثةِ عن القُدامى من الغزلِ والوصفِ والفخرِ والرِّثاءِ، فبدَأَ بمقدِّمةٍ غَزَليَّةٍ طَلَليَّةٍ، ووصفِ الطَّبيعةِ، وصوَّر الحروبَ والمعارِكَ وأهوالَها الَّتي خاضَها، وافتخَرَ بفروسيَّتِه، وحضَّ على البطولةِ والإقدامِ، وكتَبَ في حبِّ مِصرَ ووصفِ ليلِها ونِيلِها، ورثَى والدَه وزوجتَه وابنَه من مَنفاه بأصدقِ الشِّعرِ وأشجنِه.
واستحدَثَ الباروديُّ موضوعاتٍ جديدةً تنطلِقُ من شعورِه العَمِيقِ بمشكِلاتِ وطنِه، وأحداثِ عصرِه، فنظَمَ شعرًا في الأحداثِ السِّياسيَّةِ والوَطَنيَّةِ والقضايا الاجتماعيَّةِ.
الخيالُ: انتقَلَ الباروديُّ بالخيالِ من الضِّيقِ والسَّطحيَّةِ إلى التَّحليقِ في سماواتِ الشِّعرِ، وأجنِحةِ التَّصويرِ، فأدار عَدَستَه الشِّعريَّةَ في الآفاقِ، مركِّزًا على الصُّورةِ الحسِّيَّةِ، فجعَلَ من التَّشبيهاتِ والاستعاراتِ والكِناياتِ لوحاتٍ متحرِّكةً مرئيَّةً مسموعةً وملموسةً.
العاطفةُ: انتقَلَ الباروديُّ بالعاطفةِ من البرودِ والجفافِ إلى الحيويَّةِ والحركةِ والذَّاتيَّةِ.
الموسيقى: حافَظَ الباروديُّ على وَحدةِ الوزنِ والقافيةِ ذاتِ الرَّنينِ القويِّ الأخَّاذِ.
والباروديُّ في ذلك كلِّه يجاري فحولَ الشُّعراءِ في العصورِ العربيَّةِ الزَّاهيةِ، منذُ العصرِ الجاهليِّ، ومرورًا بالعصرِ الإسلاميِّ، والأمويِّ، ثمَّ العباسيِّ، ولا يحاكي ضِعافَ الشُّعراءِ في العصرَين: المملوكيِّ والعُثْمانيِّ، وهو وإن كان يجاري القدماءَ، لكنَّه لا يقلِّدُهم، بل ينافِسُهم في المعاني والأخيِلةِ.
ومن هنا عارَضَ شعرَ القُدامى من أمثالِ: امرئِ القيسِ، والنَّابغةِ، وعَنْتَرةَ، وأبي تمَّامٍ، والمتنبِّي، والبُحْتُريِّ، والشَّريفِ الرَّضيِّ، وابنِ زيدونَ، وابنِ خَفاجة، معتمِدًا على نقاءِ ذهنِه، وفِطرتِه السَّليمةِ، وقراءتِه وحفظِه جيِّدَ الأشعارِ، مثبِتًا أنَّ الضَّعفَ الَّذي طرَأَ على شعرِنا العربيِّ عبرَ القرونِ السَّابقةِ لم يكُن لعيبٍ ولا نقصٍ في مَوهِبةِ الشَّعراءِ، أو لضعفٍ أو قصورٍ في اللُّغةِ العربيَّةِ، وإنَّما يَرجِعُ إلى ضَحالةِ اللُّغةِ لدى الشُّعراءِ أنفُسِهم.
◄وذلك لعدَّةِ أسبابٍ أدَّت إلى انحطاطِ الأدبِ العربيِّ إبَّانَ مرحلةِ ما قبلَ مدرسةِ الإحياءِ، ومنها:
• إلغاءُ ديوانِ الإنشاءِ الَّذي كان يقومُ على الاعتناءِ بالحركةِ الثَّقافيَّةِ ورعايةِ الأدباءِ والشُّعراءِ.
• فرضُ اللُّغةِ التُّركيَّةِ لغةً رسميَّةً للبلادِ العربيَّةِ وإحلالُها مَحَلَّ اللُّغةِ العربيَّةِ.
• إهمالُ الحُكَّامِ من المماليكِ والعثمانيِّين للأدباءِ والشُّعراءِ؛ لبعدِهم عن تذوُّقِ آدابِ اللُّغةِ العربيَّةِ.
• الفسادُ والاستبدادُ وسوءُ الأحوالِ السِّياسيَّةِ والاقتصاديَّةِ والاجتماعيَّةِ للبلادِ.
• خلوُّ البلادِ العربيَّةِ من الثَّروةِ العِلْميَّةِ والأدبيَّةِ؛ نتيجةً لنقلِ العلماءِ والأدباءِ ونفائسِ الكتبِ لعاصمةِ الخلافةِ العثمانيَّةِ.
وقد سُمِّيَت المدرسةُ الَّتي أسَّسها الباروديُّ باسمِ «مدرسةِ الإحياءِ والبعثِ»؛ لأنَّها أعادت الرُّوحَ لجسدِ الشِّعرِ الميِّتِ الَّذي استسلَمَ إلى حالةٍ من الجمودِ، أخَذَ على إثرِها في الضَّعفِ والاضمِحْلالِ منذُ سقوطِ بغدادَ سنةَ (656هـ= 1258م) في أيدي التَّتارِ، وصولًا إلى العصرِ الحديثِ.
وقد رأت تلك المدرسةُ أنَّ التزامَ الشُّعراءِ بنَظمِ الشِّعرِ العربيِّ على النَّهجِ الَّذي كان عليه في عصورِ ازدهارِه منذُ العصرِ الجاهليِّ حتَّى العَصرِ العباسيِّ في نَظْمِه ومعانيه وألفاظِه يمثِّلُ بعثًا وإحياءً للشِّعرِ العربيِّ من جديدٍ.