البلاغة العربية... وعلم النص( تقارب أم تباعد)
معارف وخبرات. أ.د صالح أحمد
0:00 / 0:00
البلاغة العربية... وعلم النص( تقارب أم تباعد)
2 646 просмотров · 6 л. назад
معارف وخبرات. أ.د صالح أحمد
2,2 тыс. подписчиков
2 646 просмотров · 6 л. назад
للنصوص دور بارز في توجيه النشاط البشري، وتغيير السلوك الإنساني؛ فما تحمله في مضامينها كفيل بترسيخ بعض المفاهيم والقيم والميول والاتجاهات والمعتقدات والثقافات، فضلا عما تقوم به من تأثير واضح في الأحداث التي نتلقاها أو نصدرها، فبها نتواصل ومن خلالها نتكلم ونفكر...
ونظرًا لتلك القيمة اللغوية تجاذبت النص دراسات عدة ، سعى كل منها إلى فك شفراته، وفتح مغاليقه وبيان مبهمه وتوضيح غامضه، وكشف عناصر الترابط والاتساق ومعايير النصية ووسائلها، فتنوعت اهتمامات ومجالات هذه الدراسات ما بين الاهتمام بالسياق الداخلي للنص وما يكتنفه من وحدات لغوية (صوتية وصرفية ونحوية ودلالية) أو الاهتمام بالسياق الخارجي للنص وما يحيط به من عوامل اجتماعية وفكرية وثقافية وحضارية وتاريخية وسياسية واقتصادية .
وإذا كان علم الاجتماع والنفس والإنثروبولوجي والفلسفة والمنطق قد حملوا على عاتقهم دراسة وتحليل السياق الخارجي للنص بدعوى أن بنية النصوص ما هي في الحقيقة إلا نتائج ظروف اجتماعية وعمليات نفسية، فإن لسانيات النص( )
قد اتخذت من النصوص مجالا لدراستها ، فعملت على ترسيخ مفهوم النص وبيان عناصر تماسكه وترابطه ، والمعايير النصية الواجب توافرها فيه حتى يصبح نصا له خصوصيته واستقلاليته؛ بداية من المرسل ومرورا بالمرسل إليه، وانتهاء بالنص ذاته.
وليس الهدف من الحلقة التسوية بين " نظرية النظم" و" علم النص" كما يحلو لبعض التراثيين ذلك ، بدعوى" أنّ هذه بضاعتنا رددت إلينا" فهذه فرضية تجانب الموضوعية ويأباها البحث العلمي الصحيح،القائم على أسس وقواعد كلية منظمة، دون الضرب بالقول من غير أدلة يقرّها المنطق ويحترمها العقل والفكر.
فعلم النص كما - هو معلوم لدي النصيّين- تكتنفه حقول معرفية متعددة ، وتتداخل معه علوم متنوعة حتى أنك لاتدري : أي أرض نبت بها؟ ، وأي مورد استقى منه ماءه؟ ... أمن علم الاجتماع أم من علم النفس أم من علم الإنثروبولجي أم من الفلسفة أم من المنطق أم الأدب أم البلاغة؟ أم أنه جماع ذلك كله؟
" فثمة روافد أخرى غير البلاغة أسهمت في توجيه النظر إلى قواعد تركيب النص ، فإلى جانب البلاغيين من قدماء ومحدثين أدلى الأنثروبولوجيون بدلائهم في هذا السياق من هؤلاء مالينوفسكي وفلاديمير بروب وشتراوس، فقد تميزت جهود الأنثروبولوجيين بالإفادة من علم اللغة البنيوي في تحليل النماذج ...واستخدم المعنيون بدراسة الحياة الاجتماعية علم اللغة للكشف عن الكثير من القواعد التي تتحكم في أداء النصوص( )
ومن ثمّ يحتاج القائلون بالتسوية بين " نظرية النظم" و "علم النص" إلى تمهل وموضوعية، كما يحتاج من يدّعي التباين والاختلاف بينهما إلى مد جذور الترابط والعمل على تقليل المسافة المتنازع عليها بينهما؛ من خلال ربط البلاغة بمجال علم النص بعيدا عن بلاغة الشاهد والمثال ، فعندئذ لا تلبث أن تدخل في نطاق النص .
جدير بذكر أن البلاغة العربية ترتبط بالنص ارتباطا وثيقا، إذ تعد إحدى مكوناته التي تسهم في بنائه وإنتاجه وتشكيله، كما أنها وسيلة من وسائل تحليله والكشف عن عناصر تماسكه وترابطه.
وفي منتصف القرن العشرين ظهرت بعض الاتجاهات الغربية التي تنادي بضرورةترسيخ مفهوم النص وتحديد القواعد المساهمة في إنتاجه وتشكيله ، وهو ما عرف بـ" علم النص" أو بـ" علم اللغة النصي" أو " نحو النص"
ومن ثم يعد مصطلح" النص" من المصطلحات الوافدة إلينا من الغرب كـ" الأسلوب" و " الخطاب" تماما، بل لربما كانت بعض المصطلحات اللغوية الأخرى أكثر حضورا منه، سواء في ذلك ما دل على جنسه ؛ كالشعر، والنثر، والخطابة، أو ما اقترب منه وضعا واستعمالا كمصطلح (الخطاب) و(القول) و(الحديث) و (اللفظ) و(الرسالة) ( )
أولا: مفهوم النص في العربية
تجدر الإشارة إلى تحديد مفهوم النص؛ زيادة في الإيضاح وتسيرًا على القارئ، وتجنبًا لأي لبس قد ينشأ من غموض في المفاهيم والتصورات، أو خلط بين إبداعات المتقدمين واختراعات المحدثين، فمفهوم النص في العربية يختلف تماما عن مفهومه في الدراسات النصية المعاصرة ، سواء في ذلك المعنى المعجمي أو المعنى الاصطلاحي في سائر القطاعات المعرفية الأخرى في التراث العربي، على ما سيأتي بيانه.
فالنص في معاجم العربية يدور حول معان متعددة،منها الرفع، والظهور،والتحريك، وبلوغ أقصى الشيء ومنتهاه، والمتن، والتوقيف ،والتعين، والإحكام.
وأما عن مفهوم النص في الدراسات الفقهية ودلالته فهو: ما لا يحتمل إلَّا معنًى واحداً، وقيل ما لا يحتمل التأويل" وبالتالي هو نوع من أنواع " المحكم.