Перейти к содержимому

الافتقار إلى #الله

د. فيصل بن عوض العنزي

0:00 / 0:00

الافتقار إلى #الله

131 просмотр · 5 дн. назад
د. فيصل بن عوض العنزي
637 подписчиков
131 просмотр · 5 дн. назад
الافتقار إلى الله هو جوهر العبودية، ولبّ الإيمان، وحقيقة الإنسان التي لا ينفك عنها أبداً. فالإنسان مخلوق عاجز ضعيف، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً. وكل ما فيه من قوة، أو غنى، أو جاه، هو عارية مستردة من الخالق سبحانه. أولاً: حقيقة الافتقار ومكانته في الدين الافتقار ليس حالة عابرة أو شعوراً مؤقتاً، بل هو الاعتراف الدائم بفقر العبد الذاتي وغنى الله المطلق. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [فاطر: 15]. وفي هذه الآية جاء الفقر معرفاً بالـ (الـ) ليفيد الاستغراق، أي: أنتم الفقراء بكل معاني الفقر، وفي كل شؤون حياتكم، بينما الله سبحانه هو الغني بذاته عن كل خلقه. وينقسم فقر العبد إلى ربِّه وخالقه إلى قسمين رئيسيين: فقر حسِّي (اضطراري)، وفقر معنوي (اختياري). ثانياً: الفقر الحسي (الاضطراري الكوني) هو الفقر الذي يشترك فيه جميع الخلق؛ مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم. هو فقر التكوين والإيجاد والبقاء، فلا يستطيع أي مخلوق أن ينفك عنه طالما هو على قيد الحياة. • فقر الإيجاد: الإنسان لم يكن شيئاً مذكوراً، فخلقه الله من عدم، وأمده بأسباب الحياة. • فقر الإمداد والأقوات: حاجة الجسد المستمرة إلى الطعام، والشراب، والهواء، والكساء. لو قُطع عنه الهواء لدقائق لمات. • فقر السلامة والعافية: حاجة الإنسان إلى حفظ جوارحه وأعضائه من الأمراض والآفات. نبضة قلبه، وحركة عروقه، وعمل خلاياه، كلها بيد الله، فإذا اختلّ منها جزء يسير عجزت البشرية كلها عن إصلاحه. • فقر العجز أمام الأقدار: تظهر حقيقة هذا الفقر عند نزول الكوارث، والزلازل، والأمراض المستعصية، حيث يقف الإنسان رغم تطوره العلمي عاجزاً خائفاً لا يملك لنفسه دفعاً. ثالثاً: الفقر المعنوي (الاختياري التعبدي) هو فقر القلوب والنفوس، وهو سر العبودية وروحها. هذا الفقر لا يناله إلا المؤمنون الذين عرفوا ربهم وعرفوا أنفسهم، فذلّوا لعظمته واستكانوا لجلاله. وهو ينقسم إلى عدة مظاهر: • فقر الهداية والإرشاد: علم المؤمن أنه لا يهتدي إلا بالله، ولا يثبت على الحق إلا بتثبيته، ولذلك يكرر في كل صلاة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}. • فقر الطاعة والعبادة: الاعتراف بأن التوفيق للطاعة هو محض فضل من الله، فالمؤمن لا يغتر بصومه ولا بصلاته، بل يرى نفسه مقصراً، ولسان حاله: "لا حول ولا قوة إلا بالله" (أي لا تحول عن معصية الله إلا بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بتوفيقه). • فقر المغفرة والرحمة: شعور العبد الدائم بذنوبه وتقصيره، وحاجته إلى عفو الله وكرمه، فلو آخذه الله بعدله لهلك، وإنما نجاته برحمة الله ومغفرته. • فقر التوكل والالتجاء: ألا يثق العبد بذكائه، ولا بماله، ولا بجاهه، بل يبرأ من حوله وقوته ويلجأ إلى حول الله وقوته، كما كان النبي ﷺ يدعو: "يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين". رابعاً: ثمرات الافتقار إلى الله في حياة العبد عندما يحقق العبد مقام الافتقار الحسي والمعنوي، تنعكس آثار ذلك على حياته وسلوكه بشكل جلي: • راحة البال والطمأنينة: عندما تفوض أمرك إلى غني كريم، يزول عنك همّ المستقبل وخوف الفقر، ويمتلئ قلبك بالرضا. • التحرر من عبودية الخلق: من افتقر إلى الله استغنى عن الناس، فلا يذل نفسه لمخلوق، ولا يرجو أحداً سوى خالقه. • انكسار النفس والبعد عن الكبر: الغرور والكبر نابعان من شعور واهم بالاستغناء {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ}. أما المستحضر لفقره، فيعيش متواضعاً خاضعاً. • إجابة الدعاء: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد منكسر، والله سبحانه عند المنكسرة قلوبهم من أجله، فإذا دعا العبد بقلب فقير خاشع، فتحت له أبواب السماء. إن أعظم بوابة تزدلفون منها إلى الله هي بوابة الفقر والانكسار. اخلعوا على عتبات العبودية ألقابكم، وقوتكم، وأموالكم، وادخلوا عليه سبحانه دخول الفقراء المساكين، الذين لا يملكون شيئاً إلا رجاء كرمه. ومتى ما أعلن القلب فقره التام، تزلزلت أمامه الصعاب، وأمده الله بقوة من عنده، وغنى لا ينفد.