#مقارنه بين أُمَّتين
د. فيصل بن عوض العنزي
0:00 / 0:00
#مقارنه بين أُمَّتين
25 просмотров · 1 дн. назад
د. فيصل بن عوض العنزي
636 подписчиков
25 просмотров · 1 дн. назад
قال الله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ هذه الآية جاءت في سياق الحديث عن أهل الكتاب، وبيان موقفهم من إقامة ما أنزل الله عليهم، فقسمهم الله إلى طائفتين:
أمة مقتصدة: أي مستقيمة على الحق، معتدلة في أمر دينها، غير غالية ولا مفرطة، ومن أهل الكتاب من آمن بالله واتبع الحق الذي جاء به رسوله.
كثير منهم فاسقون: أي خارجون عن طاعة الله، منحرفون عن مقتضى ما أنزل إليهم، معرضون عن الحق.
واللافت في الآية أن الله ذكر المقتصدين، ثم ذكر أن الكثير منهم فاسقون، ولم يذكر في هذا السياق مرتبة السابقين بالخيرات.
وقال الله تعاى في وصف مراتب أمة محمد ﷺ: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، فهذه الآية في أمة محمد ﷺ، وقد ذكر الله فيها ثلاث مراتب:
الظالم لنفسه: وهو الذي قصّر في بعض الواجبات، أو ارتكب بعض المحرمات، مع أصل الإيمان والتوحيد.
المقتصد: وهو الذي أدى الفرائض واجتنب المحرمات، واقتصر في الغالب على الواجبات، ولم يبلغ مرتبة الإكثار من النوافل.
السابق بالخيرات: وهو الذي أدى الفرائض، واجتهد في النوافل والقربات، وتسابق في ميادين الخير.
وقد ذكر المفسرون هذه المعاني في تفسير الآية، ومن أشهر من بسطها ابن كثير والقرطبي وابن جرير الطبري.
أوجه الفرق بين الآيتين
يمكن إبراز الفرق في أربعة أوجه:
1. من جهة مراتب التصنيف
في الآية الأولى ذكر الله صنفين: مقتصدين وفاسقين.
أما في الآية الثانية فذكر ثلاثة أصناف: ظالمين لأنفسهم، ومقتصدين، وسابقين بالخيرات.
وهذا يبين تنوع مراتب المنتسبين إلى الأمة، وأنهم ليسوا على درجة واحدة من العمل والإيمان.
2. من جهة ذكر السابقين بالخيرات
وهذا من أبرز الفروق التي تستحق الوقوف عندها.
ففي آية أهل الكتاب لم يذكر الله صنف السابقين بالخيرات في هذا السياق، بينما ذكره صراحة في وصف الذين اصطفاهم لوراثة الكتاب من أمة محمد ﷺ.
وفي ذلك إشارة إلى عظيم ما فتح الله لهذه الأمة من أبواب السبق في الطاعات والقربات، مع عدم جواز الجزم بأن كل أهل الكتاب كانوا خالين من السابقين إلى الخير.
3. من جهة التعبير عن المقصرين
قال في أهل الكتاب: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
وقال في أمة محمد ﷺ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾.
وهنا لطيفة في التعبير: وصف الفسق يتضمن الخروج عن طاعة الله، أما وصف الظلم للنفس فيكشف عن أن العبد أضر بنفسه بمعصيته وتقصيره.
لكن لا يصح أن نستنتج من مجرد اختلاف اللفظ أن كل ظالم لنفسه في الأمة أفضل حالاً من كل فاسق من أهل الكتاب؛ فالسياقان مختلفان.
4. من جهة فضل الاصطفاء ووراثة الكتاب
قال تعالى في سورة فاطر:
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾.
فتأمل وصف الاصطفاء، ثم إيراث الكتاب، ثم ذكر مراتب أهل هذه الأمة، ثم ختم الآية بقوله:
﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
فهذا يدل على عظيم فضل الله على هذه الأمة، إذ جعلها وارثة للكتاب الذي أنزله على رسوله ﷺ، وفتح لأهلها أبواب السبق إلى الخيرات.
_ ارتباط هذا الفرق بموضوع المحافظة على النوافل
وهنا موضع الشاهد الذي يمكن أن تبني عليه درساً إيمانياً وتربوياً.
إن آية فاطر ترسم أمامنا سلّم الارتقاء في العبودية:
الظالم لنفسه: قصّر في حق الله.
المقتصد: أدى الواجبات واجتنب المحرمات.
السابق بالخيرات: لم يكتف بأداء الفرائض، بل أقبل على النوافل، وزاحم في ميادين الطاعات.
ومن هنا نفهم أهمية النوافل؛ فهي من أبرز أبواب الانتقال من مرتبة الاقتصاد في العبادة إلى مرتبة السبق بالخيرات.
ويشهد لذلك حديث الولاية القدسي، قال الله تعالى:
«وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه».
فالنوافل ليست مجرد زيادة عددية في العبادات، بل هي طريق إلى محبة الله ورفعة المنزلة عنده.
_ تعليق علمي وتربوي يصلح للإلقاء
يمكنك أن تقول:
«تأملوا الفرق بين وصف الله لأهل الكتاب ووصفه لأمة محمد ﷺ؛ ففي أهل الكتاب قال: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾، أما في أمة محمد ﷺ فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
فذكر في هذه الأمة ثلاث مراتب، ولم يقف عند مرتبة المقتصد الذي يؤدي الفرائض ويجتنب المحرمات، بل فتح لها أفقاً أعلى، وهو السبق بالخيرات.
وكأن الآية تقول لنا: ليس المطلوب أن تنجو من التقصير فحسب، ولا أن تكتفي بأداء الواجبات فحسب، بل اجعل لك نصيباً من السبق إلى الله؛ سابق بصلاتك، سابق بقيامك، سابق بصيامك، سابق بصدقتك، سابق بذكرك وتلاوتك للقرآن.
فإن المقتصد أدى ما عليه، أما السابق فقد جعل حياته ميداناً للتنافس في مرضاة الله.
وما أجمل أن يختم الله الحديث عن هذه المراتب بقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾، لنعلم أن بلوغ هذه المراتب ليس بقوة الإنسان وحده، وإنما بتوفيق الله وفضله ورحمته».
تنبيه تفسيري: هذا الربط بين السابق بالخيرات والإكثار من النوافل ربط صحيح من جهة المعنى التربوي، لكنه ليس تعريفاً حصرياً للسابق بالخيرات؛ فالسبق يشمل كذلك المسارعة في الفرائض، والإخلاص، والإحسان، وسائر أبواب الطاعة. كما أن آية فاطر لا تعني أن كل فرد من الأمة أفضل من كل فرد من الأمم السابقة، وإنما تتحدث عن اصطفاء هذه الأمة ومراتب أهلها.